حبيبي لديه وجه ثالث

 كانت عينيه لا تزال تشبه تلك العينين التي أحببتهما لأول مرة، لم تتغيرا، نفس البهجة الجميلة التي جذبتني لازالت تتألق فيهما، حسبت أنه يمزح حينما قال: " أرجو أن تسامحيني وتعذريني لم يعد بيدي حيلة " ضحكت نصف ضحكة، كنت أريد أن أجاري مزحته، لكن وجومه، ووجه البارد، ونظراته الحازمة نحوي، جعلتني أدرك أنه يعني ما يقول، لم يكن يمزح إذا، يا ويح قلبي، انتظر من فضلك لحظة يا عقلي لا تدخل في غيبوبة، لا تصاب بالإغماء، لا تأخذني إلى صدمة عاطفية، انتظر من فضلك حتى أتأكد وأفهم السبب،


تمالكت أعصابي بأعجوبة، وهدأت نفسي بصعوبة، وأنا أحاول أن أجر أنفاسي لأسيطر على انفعالاتي، لم أكن متأكدة من تلك الكلمات التي انطلقت من فمي متقطعة، حينما حاولت أن أجلس لأمنع سقوطي على الأرض، كنت أقول له : " لا بد أنك تمزح "

كنت أحظى بكل شيء، حتى الحب كان حولي العديد من الزملاء والمعارف المعجبين بي بشدة، وينتظرون مني إشارة بالموافقة فقط، ليتقدمون لي، لكني للأسف، كنت في ذلك الوقت أفكر بطريقة مختلفة، ربما مللت من أجواء الكياسة الرتيبة وأردت أن أعيش المخاطرة ولو قليلا، لكني لم أعرف تماما بماذا كنت أخاطر حينما سمحت له هو بالذات دونا عن كل زملائي بالتقرب مني.


شاب يقدم الزهور لزميلته في العمل


كان منذ البداية معجبا بي هو الآخر، وإن كان يحاول أخفاء إعجابه، لأنه في قرارة نفسه كان فاقدا للأمل تماما في أن يلفت إنتباهي أو يحرك مشاعري، كنت أراه بين وقت وآخر في بعض الإجتماعات، ولم يكن يحرك بي ساكنا، حتى أني لم أهتم يوما بمعرفة اسمه، حتى بدأت إحدى زميلاتي بالحديث عنه، وعن هواياته العديدة والمتنوعة التي يمارسها عبر رحلاته، هو مشروع صغير يقوم به في نهاية كل أسبوع يدر عليه دخلا إضافيا، ويستمتع من خلاله بالعلاقات الإجتماعية المتنوعة، وعلى الرغم من أن حديثها عنه أثار استغرابي، حيث لم يكن يبدو عليه مطلقا أنه شخص اجتماعي، إلا أني شعرت برغبتي في أن أجرب، أردت فقط أن أحظى بفرصة تخرجني من هذه الرتابة، كنت في الحقيقة كنت قد بدأت أشعر بالملل من كل شيء اعتدت عليه، طلبت من صديقتي أن تخبرني حينما تقرر الخروج معه في إحدى رحلاته المقبلة.

وفعلا وجدتها تتصل بي في نهاية الأسبوع وتخبرني أن أستعد حيث سيأخذهم في مغامرة جديدة غدا، كانت قد سجلت لي الإشتراك هذه المرة.

شعرت بالبهجة فعلا، لم يكن هو في حد ذاته المهم بالنسبة لي، بالعكس تماما، لم أتذكر اسمه جيدا، حتى كررت زميلتي اسمه على مسامعي من جديد، قالت لي " استعدي، ارتدي ملابس رياضية" كنت مستعدة فعلا، ركبت سيارتي وقدت حتى ذلك المكان الذي قادتني إليه الخارطة الإلكترونية، كان الجميع قد وصل هناك، كنت أنا آخر الواصلين، وكان هو يقف أمامهم متسيدا للمجموعة،


حينما وقعت عيني عليه لم أصدق، بدا شخصا مختلفا، بتلك الملابس والهيئة، يبدو أكثر بروزا وحزما وهو يقف هناك كرئيس للمجموعة يختلف كل الإختلاف عن شخصيته الهادئة البسيطة الخجولة التي يبدو عليها في العمل، أثار هذا الأمر انتباهي، فكيف له أن يصبح شخصا مختلفا بهذه الطريقة، شخص خجول في العمل، وشخصية قيادية في الرحلات،


نزلت من سيارتي، واقتربت منهم، لأجده يخبرني بنبرة حاسمة: " في المرة القادمة لن ننتظرك إن تأخرت، عليك احترام المواعيد " لم تعجبني نبرته، لكن صديقتي لمزتني بعينيها لأصمت، لذلك التزمت الصمت، ثم توجهنا معا لركوب الجبل، كنت أحدث نفسي إن كان هناك أي شيء مثير أو مسلي في ركوب جبل كهذا، أين المتعة في ذلك، ثم فجأة بدأت سلسلة من الأحداث المثيرة فعلا، كان قد رتب كل شيء، بدا لي أنه منظم رحلات ناجح وبامتياز،


جعلنا نشعر بمتعة كبيرة فعلا، شعرت أنا شخصيا أني سافرت إلى بلد آخر في هذه السويعات، لذلك عدت إلى عملي في الأسبوع التالي بطاقة عجيبة، وإقبال ونشاط، في الحقيقة إن سعر الإشتراك بدى لي زهيدا مقابل كل الخدمات التي قدمها لنا، فضلا عن المتعة التي شعرنا بها.


وتغيرت نظرتي إليه تماما، بدأت أنظر إليه باحترام كبير، رغم ان شخصيته في العمل لم تتغير لقد بقي كما هو، ذلك الشاب الذي يؤثر الصمت، ويمارس الإنسحاب من أي نقاش، ويفضل الإنزواء بعيدا عن الصراعات الدائرة بين الموظفين، بدأت أعيد النظر في سلوكياته، ربما هو على حق، ربما هو يشتري راحة باله، ويعيش حياته بالشكل الذي يسعده، لا يهمهه أن يتميز في مجال وظيفته، لأنه يشبع الحاجة إلى التميز من خلاله هوايت هكذا أعتقد.


أصبحت منتظمة في رحلاته الأسبوعية، وحرصت على دعوة اثنتين من صديقاتي لأني أعرف أنهن سيثرن جلبة ممتعة في مثل هذه الرحلات، لكن مع الوقت، بدأت أشعر بأني معجبة به هو شخصيا، كنت أراقبه، سلوكياته، حركاته، كلماته، أسلوبه، وكأني أتعرف إلى رجل مختلف عن ذلك الرجل الذي أراه في العمل، حتى ملابسه مختلفة وتليق به أكثر من الملابس الرسمية، جسده المشدود، وعضلاته المفتولة، وذلك ( الكاب ) الرياضي الذي يضفي عليه المزيد من الجاذبية، حزمه وشدة بأسه في الأحداث والأزمات التي تفجأنا أحيانا، طيبة قلبه، وخفة دمه التي لا تفارقه طوال الأوقات في تلك الرحلات، ثم غموضه الغريب في العمل، والذي يجعله بالنسبة لي شخصا مسيطرا على نفسه أيما سيطرة، كل هذا جعلني، أغرم به رغما عني،


سألت إحدى صديقاتي: " ألا تجدينه جذابا؟" فردت علي مبتسمة وهي تقول: " بالتأكيد، لكني لا أنصحك بالإقتراب من هكذا رجل، فأنت ترين عدد الفتيات من حوله، كلهن معجبات يا صديقتي، هذا عدا عن المعجبات به على صفحات السوشيال ميديا، وهذا في حد ذاته يثير القلق لأية امرأة تفكر في الإرتباط به، ثم أنه مدمن رحلات، يعني لن يتوقف عن ذلك بعد الزواج " قلت لها: " لا أعتقد أن الرحلات بالنسبة له إدمان، ربما هي وسيلة يرفه بها عن نفسه، أو يشغل بها وقته، أشعر أن في داخله قصة ما، تجربة صعبة جعلته يحب الرحلات بدلا من الجلوس في البيت، أو الإجتماع بالأصدقاء، ربما بعد الزواج، حينما يتزوج من إمرأة يحبها، أقصد، ربما يحب أن يبقى في البيت أكثر، ما رأيك!!!" ردت بإصرار هذه المرة: " لا أعتقد، وأرجو ان لا يكون تحديا بالنسبة لك، اتركيه وشأنه، هذا الرجل ليس مناسبا للزواج صدقيني، وإن تزوج فلست أنت المرأة التي تناسبه، نصحية أقولها لك من كل قلبي" شعرت بالإهانة وسألتها: "لماذا لست أنا المرأة التي تليق به، ماذا ينقصني؟ " ردت: " لا ينقصك شيء، وهذه هي المشكلة، إن من تتزوج من هذا الرجل وتحتمل كل أنشطته تلك عليها أن تكون يائسة من الحصول على رجل غيره، ثم أنك إمرأة غيورة ومندفعة، وفوضوية أيضا، وهو رجل منظم جدا، وقوي الشخصية، لا يمكنك السيطرة عليه أبدا، ولن تتمكنين من ذلك مهما فعلت من أجله"


شعرت في داخلي أن هذه هي دعوة منها للتحدي، علي أن أثبت أني قادرة على فعل ذلك، لكن ليس هذا هو السبب الذي جعلني أتقرب منه بل إعجابي الشديد به، الذي كان يجعلني أفكر به طوال اليوم، وانتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر، وأتحسس اللإيماءات البسيطة التي تصدر منه كلما وقعت عيناه علي.


في قرارة نفسي كنت متأكدة من أنه معجب بي، كانت كل إيمائاته تخبرني بذلك، كنت أشعر أنه معجب بي جدا، ربما بقدر ما أنا معجبة به، لكنه متردد، أو ينتظر مني أي تشجيع ليقترب، بدأت أخطط فعلا للحصول عليه لنفسي، لي وحدي، بدأت أضع التكتيكات التي تجعله يقع صريعا في حبي، لأسرقه من عالمه إلى عالمي، أريد كل هذه الرحلات لي وحدي، لا يشاركني فيها أحد، أريده أن يخطط رحلاته بشكل خاص من أجلي أنا فقط، بدأت أحلم بهذا اليوم الذي سيعترف لي فيه بحبه، والذي سأخبره فيه بأني أريده لي وحدي، وسأبقى دائما له وحده!!!


حينما تأكدت من مشاعري، ورغبتي الكبيرة في أن يكون هذه الرجل لي، ومن نصيبي، بدأت في تنفيذ ما خططت له، بدأت أهتم به، بطريقتي، وأجعله يشعر بإعجابي لكن بدون ابتذال، جعلته يعتقد أنه هو المعجب بي أكثر، لكني أيضا فتحت له باب العبور بكلمات عابرة، ابتسامات مرحبة، فأنا أيضا لدي طريقتي الخاصة في إثارة انتباه أي رجل أريده، وكانت هذه هي أول مرة أختبر فيها إمكانياتي، لأني لم أعجب يوما برجل كما أعجبت به هو.

لقد فعلتها، وجعلته يتعلق بي، بقدر ما علقني به، أصبحنا عاشقين محلقين في سماء العشق بلا أجنحة، تحملنا طاقة الهوى الهائلة التي اكتسحت مشاعرنا بلا حدود، لقد جعلته يفكر بي ليل نهار كما كنت أفكر به أنا، وجذبته إلى عالمي الهاديء المستقر كما جذبني هو من قبل إلى عالمه الصاخب المثير، أحب هو عالمي بقدر ما أحببت أنا عالمه، أحب هو الأماكن التي أحب أن اقضي فيها وقتي، بقدر ما أحببت أنا الأماكن التي كان يحبها، اقتسمنا الكثير من الأوقات الجميلة، وحدنا، بات يقلل من رحلاته الأسبوعية، لكي يحظى بأطول وقت معي،


لقد جعلته ينظم رحلات رائعة، لي وحدي معه، لا يشاركنا فيها أحد، لقد أخذني إلى أماكن جديدة، مختلفة لم يسبق له أن زارها مع أحد غيري، أراد أن يجعلها حصرية لذكرياتنا الخاصة، كان كل هذا رائعا، والأجمل من كل هذا حينما صدقت توقعاتي، فقد بدأ حبيبي يتجنب الحديث للفتيات الأخريات إلا للضرورات، في جميع الرحلات التالية، أغلق الخاص في حساباته على السوشيال ميديا، توقف عن نشر صوره المثيرة التي كان ينشرها سابقا مستعرضا عضلاته ووسامته، لم أطلب أنا منه ذلك، لقد وجدته يفعل كل هذا تقربا مني، وأملا في إرضائي.


بات يبحث عن ما يرضيني، ويفعل كل ما يعتقد أنه سيسعدني، أصبح مهووسا بي، استمرت علاقتنا عامين، عشتهما كما لو كنت في النعيم، أجمل سنوات حياتي، بعد عام على بدء علاقتنا استقال حبيبي من العمل، وكرس كل وقته لمشروع رحلاته الذي ذاع صيته، وبدأ يدر عليه أرباحا كبيرة، تفرغه لمشروعه جعل رحلاته أكثر شعبية، بل بات ينظم بعض الرحلات الخاصة في أيام الأسبوع، يخصصها مثلا لمجموعة من الأصدقاء والصديقات أو مجموعة من العائلات، اللذين يبحثون عن من ينظم لهم رحلات خاصة بهم، من ما جعل ارباحه تزداد، ونجاحه يصبح باهرا، هذا الأمر لم يكن يسعدني أبدا، كان دائما ما يقلقني نجاحه في مشروعه.


رغم أن نجاحه في مشروعه لم يشغله أبدا عني، بل على العكس دفعته ثقته في مستقبل أعماله إلى التفكير في الزواج، وقرر أخيرا أن يتقدم لخطبتي، بدت عائلتي متوترة، لم تكن والدتي موافقة على اختياري لهذا الرجل، وساندها في قرارها شقيقي الأكبر وانضم إليهم أبي أيضا حينما عرف طبيعة مشروعه، لكني أخبرتهم أني مصرة على الزواج منه، ولن أقبل بأي رجل سواه، ووعدتهم بأني سأغيره بعد الزواج، وأجعله يجد مشروعا آخر غيره.


كان قلق والدتي له ما يبرره، فحسب رأيها: "هذا الرجل لا يصلح للزواج!" تماما كما قالت صديقتي لي مسبقا، بينما علقت شقيقتي الصغرى " أحبيه، لكن لا تتزوجيه، تزوجي رجلا يقنع بالعلاقة الزوجية، ويحب الاستقرار" الجميع لم يكن مرحبا بهذه الخطوبة، حتى أنا نفسي، كنت قلقة، كنت قلقة للغاية، شيء ما في داخلي كان يقول لي، بأن هذا الرجل ليس للزواج!


لكني رغم ذلك كنت أريده من كل قلبي، ولدي أمل كبير بأن يتغير ويحب العائلة والإستقرار بعد الزواج، أردت فعلا أن أجعله نسخة مني، شخص بيتوي، هاديء، مسترخي، يحب البيت ويعشق الروتين، فالروتين مريح، وممتع أيضا.


قال لي ذات مرة: لكني أحب الروتين، فأنا منظم، أفعل كل شيء في نفس الوقت في كل مرة، وبنفس الطريقة، أغير في بعض التفاصيل لأتجنب الرتابة والملل، لكني روتيني، انظري ألست أخرج كل أسبوع في نفس الوقت في رحلة ما، في كل مرة يختلف المكان، والأشخاص الذين يرافقونني، لكني أنا أخرج على أية حال في رحلة كل أسبوع، وهذا في حد ذاته روتين، أليس كذلك؟!"


وهنا قلت له: " لكن ما رأيك لو تحدث تغييرا جوهريا في حياتك وتتخلى عن فكرة الرحلات الأسبوعية، أو على أقل تقدير اجعلها خاصة بالرجال فقط، ما رأيك؟! " تحجرت عينيه فجأة، وكأني قد زلزلت الأرض من تحته، أو سلبته أمانه، كان ينظر إلي نظرة غريبة لأول مرة أراها، بدا لي كما لو كنت قد طعنته بخنجر، وهو الآن ينظر لي نظرات الدهشة التي تسبق الموت، فقلت له سريعا: "لست أقصد أن تتركها نهائيا، لكن فقط لو أنك تجعلها للرجال دون النساء، أنت تعرف كم أغار عليك يا حبيبي" لم يرد في الحقيقة، فقط تأملني بعينيه التي لانت قليلا، وكأنه يفكر إن كان قد أساء الإختيار، أم أني كنت أختبره، لا أعرف، لم أفتح معه الموضوع مطلقا بعد ذلك، طوال مرحلة خطوبتنا التي استمرت شهرين فقط!!!


بعد الخطوبة بأسبوعين، نظم رحلة جديدة، انضمت إليها كالعادة عدد من الفتيات كما الفتيان، من كل البلدان، يأتون فقط ليخرجون في رحلة معه، بعض الفتيات يأتين ليرونه هو شخصيا، وهو يعرف ذلك، وإن كان للأمانة، يضع لهن الحدود الواضحة إلا أني أبقى إمرأة تحبه بجنون، وبالتالي أغار عليه أشد الغيرة، بعضهن جميلات جمال لا يمكنني وصفه، بعضهن صغيرات في السن، بينما أنا قد تجاوزت السابعة والعشرين، لازلت شابة بالتأكيد، جميلة بالطبع، لكن لست في مرحهن، من جهة لأني بطبيعتي شخصية متحفظة، ومن جهة أخرى لأني نضجت إلى حد ما ولم أعد أستسيغ التصرفات الدرامية أو الإستعراضية التي تقوم بها بعض الفتيات تحت الخامسة والعشرين، إنهن أكثر اندفاعا، ومرحا، وليس لديهن حدود أحيانا،


أصبحت أراقبهن طوال الوقت، أراقب تصرفاتهن، أشعر كأن حبيبي قطعة حلوى وعلي أن أبعد عنه تلك النحلات المصرات على سرقة شيء من حبه، واهتمامه، يشترك في تلك الرحلات أيضا العديد من الشبان الوسماء، والجذابين، لكن بعض الفتيات آتيات فقط من أجل حبيبي فلا يكدن يهتممن بغيره، كان علي دائما أن أذكرهن بأنه خطيبي، لذلك ألتصق به طوال الرحلة، كان الأمر مرهقا لي نفسيا، أنا شخصيا، تعبت، تعبت من البقاء طوال الوقت على أعصابي، أراقب و (( أكش )) الفتيات عنه، وإن كانت أحيانا تصرفاتهن بريئة ولا يقصدن منها شيء، لكني أيضا أغار حينما يهرع ليساعد إحداهن لتعبر الطريق فيمسك بيدها أو حتى يحملها، كنت أشتعل في أعماقي نارا، بينما أحتفظ بابتسامتي الغبية على وجهي لكي لا يسخرون مني، بعضهن يفهمن أن الأمر يثير الغيرة، لذلك يسرعن في هذه المواقف إلى النظر في وجهي، ليشمتن في بؤسي وألمي، نعم لقد تعبت!

لقد خاطر ذات مرة بحياته لينقذ فتاة ( ماكرة سخيفة ) كانت قد تعمدت مخالفة القواعد، واختارت أن تستكشف مكانا ليس في القائمة، كان ذلك المكان منحدر خطير، كادت فيه أن تقع لتموت، وليتها ( ماتت ) بدلا من أن تجر حبيبي لإنقاذها متسلقا جبلا هشا، حجارته قابلة للإنهيار في أية لحظة، في مرات عديدة أعتقد أنها تعمدت ذلك، فقط ليهرع هو لإنقاذها، فتحظى بصورة تملأ بها حسابات السوشيال ميديا خاصتها، وحينما وبخته على فعلته، قال : "إنها مسؤليتي، ما دامت في رحلة معي، فكل ما يحدث لها هو مسؤليتي"، " لا ليست مسؤوليتك، مادامت قد خالفت قواعد الرحلة، وشروطها، فهي خارج مسؤليتك، كان عليها أن تتحمل نتيجة أفعالها وحدها" ، " ماذا تقصدين؟ هل أتركها تسقط هكذا ببساطة، بينما في إمكاني مساعدتها؟" ، قلت : " اطلب لها النجدة، بدلا من أن تخاطر بحياتك" ، " حبيبتي لم يكن هناك وقت، كان علي أن أتدخل، هذا عملي، وسمعتي مرهونة بسلامة المشتركين في الرحلات معي"


كم كنت أغار من عمله، كم كنت أكره مشروعه...أكرهه!!!


لهذا قررت في ذلك اليوم، أن أضع حدا لهذه المعاناة، طلبت منه أن نتحدث بصراحة، وأن نضع النقط على الحروف، وسألته إن كان يعتقد أنه من الصحي لعلاقتنا أن يستمر هو في مشروع الرحلات هذا؟


كنا نجلس بهدوء في مكتبه الصغير، بعد أن غادر سكرتيره وموظفه الوحيد، الذي ينظم له المواعيد والإشتراكات في الرحلات، بقينا هناك وحدنا، طلبت منه أن يتقبل حديثي بصدر رحب، وأن عليه أن يحس بي، ويفهم مشاعري، ويقدر أني أحبه، وقبل أن أبدأ أنا حديثي وجدته ينفجر قائلا: أنا من يريد أن يتحدث اليوم، لقد سمعتك طوال الشهرين الذين تلا مرحلة الخطوبة، وأنت تتذمرين من المشتركات في الرحلات، سواءا كان تذمرك واضحا أو مبطنا بانتقادات جارحة، لكني بدأت أعتقد أنك نادمة على هذه الخطوبة، ربما لم يكن في نيتك تتويج علاقتنا بالزواج، ربما كنت معي بهدف التسلية، لذلك حينما عرضت عليك الخطوبة، بدى عليك التوتر والقلق، لقد اعتقدت فعلا أنك تحبينني إلى القدر الذي يسمح لنا بالإرتباط رسميا كزوجين، لكن كل انتقاداتك وتصرفاتك الغريبة التي صدرت منك بعد الخطوبة تخبرني أنك تبحثين عن سبب ما لإنهائها"


لقد لجمني كلامه، كيف فهم تصرفاتي بهذا الشكل الغريب، قلت له والدهشة لازالت تعلو وجهي: "ماذا قلت؟ كيف؟ لكني لم أقصد ذلك أبدا، على العكس تماما، سعيدة أنا جدا بتتويج علاقتنا بالزواج، لكن كل ما أردته منك أن تراعي مشاعري، فأنا إنسانة لدي أحاسيس، أحبك وأغار عليك جدا، ومن حقي أن أطلب منك أن تفعل من أجلي ما يجعلني سعيدة معك"


قال: "لقد فعلت من أجلك كل شيء، لكنك الآن تنتقدين من أنا، ومن أكون"


قلت: " لا، لا، لست انتقد من أنت، أو من تكون، على العكس إني أحبك وفخورة بك جدا، لكني أريدك أن تراعي مشاعري، وتتوقف عن تنظيم هذه الرحلات أو تخصصها على أقل تقدير للذكور فقط"


قال: " الرحلات هي أنا، وأنا هي الرحلات، حينما كنت زميلك في العمل، وكنت معجبا بك كغيري من الزملاء، وكنت انت تعرفين ذلك، لأني ألمحت لك أكثر من مرة، لم أحرك في مشاعرك ساكنا، لم تنظري إلي حتى نصف نظرة، لم أشعر يوما أنك ترينني أصلا، لكن ما أن طلبت من زميلتنا أن تدعوك لإحدى رحلاتنا وأكتشفت بعد ذلك من أنا حقا ومن أكون من خلال تلك الرحلات، أصبحت فجأة مغرمة بي، أليس كذلك؟! لقد أحببت ما أنا عليه في الرحلات، قبل أي شيء آخر، لقد أحببت منظم الرحلات المبتهج دائما، النشيط، المحاط بكل الفتيات الجميلات، ومع ذلك أحبك أنت فقط من بينهن جميع!!! كل هذا جعلك مغرمة بي، فكيف لك الآن أن تطلبين مني أن أتخلى عن ذاتي، لتبقي معي!!!! تأكدي أني حينما أتخلى عن أجواء الرحلات التي أنظمها، ستكونين أنت أول من يتخلى عني، لأني سأعود بالنسبة لك، مجرد ذلك الموظف الخجول الصامت المنزوي الذي لا يعيره أحد أي اهتمام،


أنا لن أتخلى عن رحلاتي، ولن أغير نظامها لأجعلها للذكور فقط كما تريدين أنت، فهذا مشروعي الذي بدأته حتى قبل أن أصبح موظفا، لقد بدأته وأنا لازلت في التاسعة عشر من عمري، وكانت متعته في أن يكون للجميع بلا استثناء، ولن أغيره الآن من أجلك، ولا من أجل أي شخص آخر، وإن كنت هنا لتخيرينني بينك وبين مشروعي، فسأختار مشروعي بكل تأكيد، ليس استنقاصا من قدرك، لكن لأن مشروعي هو أنا إن كنت لا تفهمين، ثم أني أكتشفت الآن كم أنت ماكرة، ومخادعة!!!"


كنت في حالة من الصدمة، كيف يحدثني بهذا الشكل، وكيف كان يكبت في نفسه كل هذا لينفجر به الآن أمامي بهذا الشكل المزري، ولماذا يصفني بالمخادعة الماكرة، ....


" لماذا تصفني بالماكرة، ماذا فعلت بك أنا"


" فعلت الكثير، لقد خدعتني، استدرجتني إلى حبك، جعلتني أتعلق بك إلى هذه الدرجة، ثم بدأت في التحكم في حياتي، أحببتني بعد أن عرفت جيدا نمط حياتي، لقد خرجت معي أكثر من رحلة قبل أن أعترف لك بحبي، لقد تعمدت أن أجعلك تشاهدين كل ما يحدث في هذه الرحلات، لترين بنفسك أنها رحلات عادية، لكنها بالتأكيد لا تخلو من بعض المناوشات، جعلتك ترين كل هذا قبل أن أفصح لك عن حبي وأعجابي، لم أرغب في أن أخدعك او أستدرجك كما فعلت أنت معي، لم أخبرك بأني رجل هاديء يحب البيت أو شخص تقليدي، من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت، جعلتك ترين نمط حياتي كاملا، كل ما فيه وبمن فيه، هذا هو ما أفعله، وهذا هو ما يسعدني في حياتي، ثم بعد ذلك وجدتك لا تمانعين، معجبة بي كما أنا، لذلك سمحت لنفسي بأن أنطلق في رحلة الحب معك، بل وكنت سأتوج هذا الحب بالزواج منذ عام لولا أنك بدأت تتأففين من زحمة الفتيات في رحلاتي،


إنه رزقي ونتائج عملي الجاد طوال السنوات الماضية، إنه أيضا شغفي، هذا أنا وهذا ما أحبه، لكني قلت في نفسي أتركها سنة أخرى تتأقلم أكثر مع الوضع، وبدأت تدريجيا في تخفيف وتيرة الرحلات، باتت مرة كل أسبوعين بعد أن كانت كل أسبوع، وكنت لا أذهب في رحلة بدونك، فعلت كل هذا من أجلك، والآن على ماذا حصلت؟ بعد كل هذا الحب وهذه التضحيات، حصلت على انتقادات كثيرة، خرجت فجأة من اللامكان بعد يوم واحد من الخطوبة، وحتى الآن،


دعيني أخبرك الحل هنا، علينا أن نختار، وأنا اخترت مشروعي، عليك أن تسامحيني وتعذريني فليس بيدي حيلة، هذا المشروع بالنسبة لي هو حياتي، ولن أغير حياتي من أجل أحد! أيا كانت درجة تعلقي به"


كانت عينيه لا تزال تشبه تلك العينين التي أحببتهما لأول مرة، لم تتغيرا، نفس البهجة الجميلة التي جذبتني لازالت تتألق فيهما، حسبت أنه يمزح حينما قال: " أرجو أن تسامحيني وتعذريني لم يعد بيدي حيلة " ضحكت نصف ضحكة، كنت أريد أن أجاري مزحته، لكن وجومه، ووجه البارد، ونظراته الحازمة نحوي، جعلتني أدرك أنه يعني ما يقول، لم يكن يمزح إذا،


يا ويح قلبي، انتظر من فضلك لحظة يا عقلي لا تدخل في غيبوبة، لا تصاب بالإغماء، لا تأخذني إلى صدمة عاطفية، انتظر من فضلك حتى أتأكد وأفهم السبب،


كانت كلماته تلك حادة كالسيف، مضت بسرعة في إتجاه واحد، فشطرتني نصفين، لم يترك لي خيارا، لم يعطيني حتى فرصة للتراجع عن طلبي، وقبول الوضع الراهن، فحينما قلت له: " دعنا نتفاهم " وقف في مكانه والتقط مفتاح المكتب وهو يقول: "علي أن أنام باكرا لدي رحلة جديدة صباح الغد" بدا لي أنه يطردني هكذا، حاولت أن أنظر في عينيه بحثا عن تواصل، لكنه تجنب النظر لي تماما، ...


لا أفهم، كيف يقرر وحده إنهاء العلاقة بلا حوار ولا نقاش، لقد اكتفي بأن اخبرني بكل ما يريد قوله، لكنه لم يسمعني حتى، لا أفهم، ماذا علي أن أفعل الآن، هل اتصل به وأحاول استرضاؤه، هل علي أن أقبل بهوايته أو مشروعه كما يصفه، ماذا أفعل لست أفهم...!!!!


لقد بدا لي أني لم أعرفه قط، هذا الرجل حسبت أن له وجهين فقط، أحدهما منزوي في العمل، والثاني منفتح ومبهج في الرحلات، لكني التقيت الآن بوجه ثالث، صارم ومستبد في القرار،


أرسلت له رسائل كثيرة بما أنه لا يرد على مكالماتي، أخبرته فيها بأني آسفة لكل ما صدر مني من انتقادات لمشروع رحلاته، وأني أتقبله كما هو، في الحقيقة عدت في الأيام اللاحقة ألوم نفسي فعلا، ربما كنت مخادعة كما يقول، نعم منذ أن شاركت في أول رحلة لي معه، قررت أن أنتزعه من عالمه وأضعه في عالمي، لكني فكرت هكذا لأني أحببته، أردته لي وحدي، أين الخطأ ؟ أليس من حقي أن أحافظ على حبيبي؟!


ربما كان علي أن أتقبله كما هو، ففي نهاية الأمر كانت رحلاته منضبطة، وكان هو شخصا حكيما وملتزما طوال الوقت، لم يسمح في رحلاته بأية تجاوزات من المشتركين أو المشتركات، كان لديه نظامه الخاص وقوانينه في التعامل مع المشتركين من ما يجعل الجميع يحترمه ويلتزم بشروطه، كان مشروعه رائعا فعلا، ناجحا جدا، كيف تجرأت على احتقاره بهذا الشكل وكيف طالبته بإيقافه، يال أنانيتي، كيف تخيلت أنه سيتخلى ببساطة عن مشروع عاش سنوات طويلة يبنيه ويؤسسه، ويفتخر اليوم به؟ كيف خيرته بيني وبينه كيف؟!!!


عشت صراعا مريرا لشهور طويلة، حرمني فيها من أي محاولة مني بالتواصل، حتى حينما حاولت الإشتراك في رحلاته لعلي أجد الفرصة للحوار وجدته قد حظرني بكل الطرق، حتى أني حينما أسجل باسم مستعار، يتعرف علي بطريقة ما، ويتم حظري من الوصول إلى مكان الرحلة، وبالتالي لم ألتقه منذ ذلك الوقت، فهمت أنه اتخذ قراره الحازم بشأني، لقد قرر فعلا أن يقصيني عن حياته وينساني، لكن كيف أنساه أنا؟


مرت ثلاثة أعوام منذ أن انفصلنا، لم يحاول فيها ولا مرة واحدة محادثتي أو التواصل معي، بينما بالنسبة لي لا يمر يوم واحد لا أفتح فيه حساباته على مواقع التواصل الإجتماعي، لأجده لازال كما هو، بهيجا سعيدا، منفتحا على الحياة، فخورا بنفسه وبمشروعه!




حساباتنا على مواقع التواصل الإجتماعي





ودمتي بخير

مشاركة مميزة

تجربتي مع زوجي وكلمة أريدك التي تثير مشاعره.

  منذ النظرة الأولى، رأيت فيه توأم روحي، وشعرت انه الرجل الذي يناسبني، لقد استطاع ان يجذب انتباهي بسرعة كبيرة، جعل قلبي متعلق به وعيني تراقب...

قائمة المدونات الإلكترونية التي أتابعها وأوصي بها

بحث هذه المدونة الإلكترونية